محمد حسين علي الصغير

89

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

عن كل التراكيب المماثلة أو المخالفة في المعاني المرادة في البنية اللغوية ، فالإيجاز خصيصة أسلوبية في هذا الملحظ ، والتطوير خصيصة ثانية في هذا الأسلوب ، فلا حاجة إلى إسناد جملي جديد يسد مسد التركيب المجازي في اللفظ المفرد الموضوع لأصل ونقل عنه تفريغا وتنويعا إلى معان مبتكرة ، يستغنى بذكرها مفردة مجازية منها عن إنشاء آخر للدلالة على تلك المعاني . وقد يقال : وما هذا الالتواء في اصطياد المعاني المستحدثة من ذوات الكلم وأنفس الألفاظ ، ولما ذا لا نغير العبارة ونأتي بها على صيغتها في الأصل للدلالة على المعنى الأصل دون تجوز ومغادرة للدلالة المركزية في هذا اللفظ أو ذاك . وللإجابة عن هذه المقولة لا بد من التنويه بالحقائق المنهجية لمسيرة لغة القرآن العظيم ، وهي لغة غير جامدة ، تستمد معينها الثر من مواصفات أكثر عمقا من سطحية القول والافتراض الذي قد يجانب الواقع اللغوي لطبيعة هذه اللغة الكريمة . كان العرب بفطرتهم النقية أئمة بيان لا شك في هذا ، والبيان العربي ذو جذور معرفة في القدم والأصالة يتكون مجموعه من عشرات الآلاف من الألفاظ ، ولو كررت الألفاظ نفسها لكان الكلام واحدا ، والتفاوت في الجودة والامتياز متلاشيا ، وإذا كان الكلام واحدا والتفاوت بين أبعاده مفقودا ، لذهبت خصائص البيان الأسلوبية ، ولأصبحت حالته متفردة ، غير قابلة للتفاضل ، وإذا تحقق هذا ، فقد فقدت البلاغة العربية موقعها ، والبيان العربي مميزاته ، وحينما يكون المنظور إلى الفن القولي متساويا ، فما معنى الإعجاز البياني واللغوي والبلاغي في القرآن الكريم ، وما هي عائدية قوله تعالى في التحدي للبشرية جمعاء حينما يصرخ : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 23 « 1 » . هذا التحدي قائم منصلتا على الإعجاز في القرآن ويعني هذا عجز الكائنات البليغة عن الإتيان ولو بسورة واحدة من جنس هذا البيان ، وعدم

--> ( 1 ) البقرة : 23 .